من هو أبونا بيشوي كامل؟

 

هو أول كاهن سيم على كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بسبورتنج. وسيم في۲ديسمبر سنة ۱۹۵۹م.

 كان خادمًا أمينًا، بدأ خدمته أولًا في كنيسة السيدة العذراءبمحرم بك بالإسكندرية، وهو لايزال طالبًا في كلية العلوم، ثم اُختير بعد ذلك ليكون أمينًا عامًا لمدارس الأحد بالإسكندرية.

 أرشدت إليه نعمة ربنا يسوع، فرسمه قداسة البابا كيرلس السادس كاهنًا على كنيسة مارجرجس بسبورتنج وهي المنطقة التي كانت محرومة من الخدمة والكنائس.

 تعهَّدته عناية السماء منذ أن وُضِعَتْ عليه اليد الرسولية. فوضع يده هو أيضًا على المحراث وظل يحرث منذ اللحظة الأولى من عودته من الدير بعد أربعين يومًا لرسامته في ۱۰يناير سنة ۱۹٦۰م دون أي كلل وكان يُردِّد دائمًا قول ربنا يسوع:"أبي يعمل حتى الآن وأنا أيضًا أعمل". فكافأته السماء بأن كل ما كان يعمله، ينجح فيه.

 

سر نجاحه:

سكب أبونا بيشوي نفسه سكيبًا في خدمة شعبه بكل حب واتضاع فكان دائمًا يقول:"إن إلهنا نارًا آكلة.. وخدامه الملائكة لهيب نار.. وكذلك نحن خدامه على الأرض يجب أن نكون كالنار" وكما قال عنه قداسة البابا شنودة الثالث: إن فضائله كانت تمتزج فيها الوداعة بالشجاعة. فغسل أرجل الصغير كالكبير، الفقير كالغني.. وأحب أولاده من كل قلبه. فشجع القريب وضم البعيد فاتحًا أمامه باب الرجاء، لأن اليأس لم يكن له موضع عنده.مؤكدًا له سهولة التوبة رغم فداحة الخطية ممثلاً ذلك بمثل الدرهم المفقود الذي يمثل صورة الملك (صورة الله داخلنا). فمع اختفاء الصورة بسبب الأتربة لكن بمجرد إزالة الأوساخ عن هذا الدرهم وسقوط أشعة المصباح (الروح القدس) عليه فيصدر منه بريق جميل (الإنسان التائب) يعكس صورة الله.

وكان يقول:"إن الكنيسة الغنية هي غنية بأعمال التوبة. لأن كل مرة تزيح التراب عن أولادها يظهر جمال بريقهم تحت أشعة الروح القدس"

كان يؤكد على وجوب الامتلاء من روح الله الساكن فينا واستعلان قوته لكل خادم بل ولكل مسيحي. على أن هذا الاستعلان لا يتأتى إلا بالصوم والصلاة والاختلاء وتنفيذ وصية الإنجيل. ومع ذلك لم تشغله خدمته الواسعة هذه عن اهتمامه بحياته الروحية حيث كان شغوفًا بالكتاب المقدس. فكنت تراه يلتهمه بشوق زائد وينفذ آياته يوميًا بلذة كَمَنْ وجد غنيمة وافرة.

 وكان يقول:"إن وصية الإنجيل ليست صعبة لأنه يتم تنفيذها بقوة المسيح الساكن فينا. وأن ربنا يسوع قبل أن يعطينا الوصية أعطانا ذاته.أي أن الوصية الإلهية فيها قوة تنفيذها بالمسيح نفسه صاحبها والآمر بها". هكذا علَّم أولاده وهكذا كان يعمل. وامتلأ قلبه بالحب نحو الجميع حتى أنه كان يقول:"إن المحبة هي عصب الكنيسة".

عشق الصليب وتغنى بحبه وكان يناجي حبيبه يسوع قائلاً:"ربي يسوع أنا لا أطلب لنفسي صليبًا مُعينًا، ولكن الذي تختاره مشيئتك لي. وأنا لا أريد أن أعرض عليك خدمات، بل أن تستخدمني أنت فيها".

كتب عنه نيافة الحبر الجليل الأنبا ديمتريوس قائلاً: "تميَّز أبونا بيشوي بانشغاله بالصليب والمصلوب. وكان نموذجًاللإنسان الروحي في حياة العمق والتقوى والبذل. يمتلئ في الخدمة. لذلك تجد كتاباته ممزوجة بالصلاة، ممسوحة بالنعمة، ممتلئة بالروح بطريقة تلقائية غير مفتعلة. ففيما هو يعظ أو يُفسّر أو يشرح موضوعًا روحيًا أو لاهوتيًا نجده ينجذب بالتأمل إلى المناجاة والصلاة. صار مدرسة في الصلاة، مدرسة في التقوى، مدرسة في الخدمة".

وهذا ما أكَّده أيضًا نيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوي مُعبرًا عن عمق كتابات أبونا بيشوي بقوله:"إن كُتب وعظات أبونا بيشوي يجب أن تُطبع وتُنشر لتكون ذخيرة حية لنا وللأجيال القادمة".

 

رعايته لشعبه:

بدأ أبونا بيشويخدمته بإرشادات قداسة البابا كيرلس، فكان أول من بدأ بعمل عظات في العشيات ثلاث مرات أسبوعيًا مستخدمًا إياها في تعليم الشعب الكتاب المقدس وكذلك طقوس الكنيسة وعقائدها وتاريخها وروحانياتها.

كما كان هو أيضًا أول من بدأ بإقامة قداسات يومية متأخرة في الصوم الكبير. وهو أمرٌ لم يكن الشعب مُعتادًا عليه من قبل. مشجعًا بذلك على الصوم الانقطاعي.

اهتم أبونا كذلك بتشجيع الشعب على تعلُّم فضيلة العطاء في الخفاء، لذلك فقد كان أول من منع استخدام أطباق العطاء التي كانت تمر على الشعب وقت الصلاة، مستبدلًا إياها بالصناديق الثابتة التي توضع في الكنيسة.

وفي وعيه الكنسي الأصيل حوَّل أعياد رأس السنة إلى سهرات روحية طوال الليل، فاجتذب الكثيرين للاحتفالات المقدسة. وهكذا سائر أعياد القديسين بل وزيارتهم في أماكنهم المقدسة. وبهذا نقدر أن نقول أن أبونا بيشوي قد أعاد إحياء طقس السهر في الكنيسة.

اهتم بأن يفتتح حضانة في الكنيسة، وهي أول حضانة في الإسكندرية. بغرض تلقين الأطفال الإيمان السليم وتشجيع الوالدين دخول الكنيسة يوميًا. وهكذا بيوت الطالبات اعتبرهم كسفراء لبلادهم بالمحبة ودراسة الكتاب والألحان لينطلقوا خادمين في بلادهم.

كذلك اشتاق أن يكون هناك بيتًا لرعاية الأمومة والطفولة، فافتتح بيت مارجرجس لرعاية الطفولة وأشبعهم حنانًا ورعاية روحية ومادية، ولم يشأ أن يُطلِق عليه اسم ملجأ.

ولايفوتنا أن نذكر، كم من الكنائس سعى لإقامتها في أماكن متعددة هنا أو في المهجر، وكان يختار لها من صفوة أبنائه ليكونوا كهنة لهذه الكنائس الجديدة، وهي الآن عامرة بالمصلين تصعد منها الصلوات والبخور وتُمجد اسم ربنا يسوع.

أرى أنه لخص منهجه الروحي فيما كان يُنادي به في هذه السطور:"لنتلذذ يا أخي بكلمة الله والصلاة وعشق الصليب ونذوق لذة التوبة حتى نزهد عن كل لذة أخرى، فنشتهي الوجود الدائم مع الله وننتقل من الميل الأول(أي مقاومة الشهوات والصراع فيها) إلى الميل الثاني وهو إشعال نار الحب الإلهي في داخلنا نحو منْ أحبنا وأسلم ذاته لأجلنا (غل ۲: ۲۰) ويدفعنا لمحبة الناس في المسيح لأن من لايحب لم يعرف الله (۱يو ٤: ٨).

وهكذا عاش أبونا...وحمل صليبه (صليب الخدمة وصليب المرض) بكل فرح، فحمل صليبه وعبر في اليوم الثالث لعيد الصليب، أي۱۲برمهات ۱٦۹۵ ش الموافق ۲۱مارس ۱۹۷۹، بعد أن تغنى بقوة الصليب والقيامة. ومضى يُسبح تسبحة الغلبة والخلاص مع الـ۲٤ قسيسًا وانضم إلى سحابة الشهود التي تشفع فينا أمام عرش النعمة.

"بركته المقدسة تكون معنا. آمين."